صديق الحسيني القنوجي البخاري
589
فتح البيان في مقاصد القرآن
التبشير والتحذير ليكونوا راجين خائفين فقال : وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ أي الكثير الإيلام . وعند أن جمع اللّه لعباده بين هذين الأمرين من التبشير والتحذير ، صاروا في حالة وسطا بين اليأس والرجاء وخير الأمور أوسطها ، وهي القيام على قدمي الرجاء والخوف ، وبين حالتي الانس والهيبة ، وقيل لو يعلم العبد قدر عفو اللّه لما تورع عن حرام ولو يعلم قدر عذابه لما أقدم على ذنب . وفي هذه الآية لطائف منها أنه أضاف العباد إلى نفسه بقوله : نَبِّئْ عِبادِي وهذا تشريف لهم وتعظيم كما أضاف في قوله : أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا [ الإسراء : 1 ] ولم يزد عليه ومنها أنه أكد ذكر الرحمة والمغفرة بمؤكدات ثلاثة : أولها : قوله أَنِّي . وثانيها : أَنَا . وثالثها : التعريف في الْغَفُورُ الرَّحِيمُ . وهذا يدل على تغليب جانب الرحمة والمغفرة ، ولم يقل في ذكر العذاب أني أنا المعذب ولم يصف نفسه بذلك بل قال على سبيل الإخبار وَأَنَّ عَذابِي هُوَ الْعَذابُ الْأَلِيمُ . ومنها أنه أمر رسوله أن يبلغ عباده هذا المعنى ، فكأنه أشهد رسوله على نفسه في التزام المغفرة والرحمة . ثم أتبع ذلك بقصص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليكون سماعها مرغبا في العبادة الموجبة للفوز بدرجات السعداء ، ومحذرا عن المعصية الموجبة لاستحقاق دركات الأشقياء وذكر هنا أربع قصص : قصة إبراهيم ثم قصة لوط ثم قصة شعيب ثم قصة صالح ، وسيأتي تفصيلها . وافتتح من ذلك بقصة إبراهيم عليه الصلاة والسلام فقال : وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْراهِيمَ أي أخبرهم بما جرى على إبراهيم من الأمر الذي اجتمع فيه له الرجاء والخوف والتبشير الذي خالطه نوع من الوجل ليعتبروا بذلك ويعلموا أنها سنة اللّه في عباده ؛ وأيضا لما اشتملت القصة على انجاء المؤمنين وإهلاك الظالمين كان في ذلك تقرير لكونه الغفور الرحيم ، وأن عذابه هو العذاب الأليم . وأصل الضيف الميل ، يقال أضفت إلى كذا إذا ملت إليه ، والضيف من مال إليك نزولا بك ، وصارت الضيافة متعارفة في القرى ، وهو من الأصل مصدر ولذلك وحد ، وإن كانوا جماعة ملائكة اثني عشر أو عشرة أو ثلاثة منهم جبريل على صورة غلمان حسان أرسلهم اللّه إليه ليبشروه بالولد ويهلكوا قوم لوط عليه السلام ، وقد مر تفسير القصة مفصلا في سورة هود عليه السلام ، وسمي الضيف ضيفا لإضافته إلى